الفيض الكاشاني
مقدمة 27
علم اليقين في أصول الدين
فبعد ما تراه في سفينة النجاة « 1 » يحمل على القائلين بالاجتهاد ومقلديهم بشدة وعتاب ، ويشدد عليهم في الخطاب « 2 » ، ذهب يقول في رسالته الإنصافية « 3 » أنه لا يجوز الحكم بكفر أحد يقرّ باللّه وملائكته وكتبه واليوم الآخر ويلتزم الشرائع ويسعى في وجدان ما ضلّ عنه من مطلوبه . وأمّا من ناحية أنّه محدّث ، فصار أكثر اشتغالا بالحديث ، وأشد اهتماما به ، فقد صنف كتابه الكبير الوافي حينما بلغ سنوه ( 61 ) والشافي عندما كان في السابعة والخمسين من عمره الشريف - قدّس سرّه - على أنّه لم يخل سائر كتبه - سيما ما صنّفه في أخريات عمره - من الاستدلال بالحديث والاعتماد عليه ، في مختلف الوجهات ؛ ثمّ تفسيره للقرآن الكريم - الصافي - تفسير بالمأثور ، فالناظر فيه بنظر الاعتبار يرى اهتمام مؤلفه في تفسير القرآن بالحديث . وأمّا بالنسبة إلى الحكمة والعرفان ، فحيث أن كلام المخالفين دائر حول هذا المقام ، فعلينا أن نبسط فيه القول ولو طال الكلام . فلكي نقف على تغيير وجهات نظر الفيض أو عدمه يلزمنا أن نقارن بين بعض ما كتبه في أوائل - أو أواسط - عمره ، وما صنّف في ذلك المجال في أواخره . ولو ذهبنا نطابق ذلك في جميع تأليفاته المتناظرة خرجنا عن نطاق مقدمة الكتاب ، ولكن يكفينا في هذا المجال أن نقارن بين كتابين له في الحكمة
--> ( 1 ) - قال فيه ( ص 119 ) : « ولنقصنّ عليك من اجتهادات المجتهدين في مسائل الدين ما يتبيّن لك به أنّهم كيف يضعون ( ظ : يصنعون ) وأنّى يؤفكون » . وقال في آخر الكتاب ( ص 141 ) : « وحيث انتهت سفينتنا في بحر الاختلاف إلى ساحل النجاة ، وجرت بنا إلى منازل الهداة ، لنرسلها عن الجريان ونمسك القلم عن الطغيان ، بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها ، و إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها ؛ و يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وأدخل معك من تبعنا ، لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ، قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ، وتميّز القول الميّت من الحيّ ، وكشف الغطاء من البين ، ولاح الصبح الذي عينين ؛ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ ، وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ . . . » . ( 2 ) - مرت حكاية قول صاحب اللؤلؤة : يفهم منها ( سفينة النجاة ) نسبة جمع من العلماء إلى الكفر . ( 3 ) - الانصاف : 195 .